ابن كثير

54

البداية والنهاية

الأسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم - أو كالشاهد له - والله أعلم . ومعنى قوله في هذا لحديث ؟ : من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت ، وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي إذا قام بابلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه ، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ، ويقضي عنه ، وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] الآية والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ، ولا يصده عنه ذلك صاد ، يتبع الناس في أنديتهم ، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ، ومواقف الحج . يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي ، وغني وفقير ، جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء . وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية ، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب - وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إليه طبعا وكان يحنو عليه ويحسن إليه ، ويدافع عنه ويحامي ، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم ، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا . وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى ، ومما صنعه لرسوله من الحماية ، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة ، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه . ولاجترؤا عليه ، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ( 1 ) . وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا ، فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب . ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار ، وذلك في الدرك الأسفل من النار ، وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر ، وتقرأ في المواعظ والخطب . تتضمن أنه يصلى نارا ذات لهب ، وامرأته حمالة الحطب . قال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه . قال : أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل - وكان جاهليا فأسلم - قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز [ يمشي بين ظهراني الناس ] ( 2 ) وهو يقول : " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " والناس مجتمعون عليه ، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول : إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب ، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه ( 3 ) . وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر ( 4 ) الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن ( 5 )

--> ( 1 ) يفهم من كلام ابن كثير أن أبا طالب ، قضى كافرا ، وأن الله تعالى قضى بذلك لحكمة عنده حماية لرسوله وذودا للاسلام . . أقول هذا تعليل غير سائغ وغير مقبول . ( 2 ) ما بين معقوفتين زيادة من دلائل البيهقي . ( 3 ) مسند أحمد ج 3 ( 492 ) ودلائل البيهقي ج 2 / 186 .